مصطفى لبيب عبد الغني

19

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

إن كانوا قد فهموها بعقولهم فإنها لم تتغلغل في أعماق قلوبهم ولم تصبح جزءا من كيانهم « 1 » . وإنه لمن اليسير بالفعل على المفكر المسلم أن ينطلق من تقرير نسبية المعرفة طالما أن تمام الفهم لا يجسده في كماله الأخير جهد عقل فردى أو جماعي في الزمان والمكان ، ولا يظهر كمال الحقيقة الإنسانية في وعى المسلم - أولا وأخيرا - إلا مجرد ظل لمنبع النور الحقيقي وأثر باهت لأصل الأصول الذي هو « الحق » بإطلاق لا ينفد مدده ولا ينقضى عطاؤه ولا تتبدد نعمه التي يحظى بها الوجود على الدوام . ومع تقديرنا لهذه الحقيقة لا ينبغي أن يغيب عنا بالمثل ذلك الاستباق الباهر لدى أبى بكر الرازي وطائفة مختارة من علماء الإسلام في رؤيتهم النافذة للعقيدة الإسلامية وهي تعرض للعقل الإنسانى على مستوى الفاعلية والمنهج دون أن تتورط بالطبع - وهي العقيدة المنزهة - في التوحيد بين هذا العقل في ذاته وبين نظريات علمية محددة بعينها في الوقت الذي حفلت فيه - مع ذلك - بإشارات إلى حقائق علمية جاءت على سبيل التنبيه والاستشارة ، وفي تقديرهم « للوحي » بما هو كلمة الله يخاطب بها العقلاء بخطاب يفهم ولا يظل على الدوام مستغلقا على الفهم ، وإن لم يكن ذلك حاصلا على مستوى التحقق الكامل دائما وأبدأ فإنه يبقى قابلا للتحقق على مستوى الإمكان في التعرف الإنسانى على الكون . على هذا الأساس يلزم تفسير الرازي وانجازاته العلمية في جو سادت فيه « عقائد » علمية ! وشعور بالتوقير البالغ لسلطان العقيدة في مجال المعرفة بإطلاق . وجدير بالنظر حقا أمر تلك النزعة التي دفعت بمعظم مفكرينا إلى محاولة التوفيق بين نتاجهم العلمي وما تقضى به شريعة الإسلام . وكثير من هؤلاء المفكرين أفردوا لذلك رسائل خاصة بأكملها مشهورة . وهي إن دلت على شئ

--> ( 1 ) Sarton . G . Introduction . . ''vol . I . p . 6 .